الشيخ الطوسي
314
التبيان في تفسير القرآن
والثاني - من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب . والذي يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول : ان معناه وهم يعلمون انهم يحرفونه . فان قيل فلماذا اخبر الله عن قوم بأنهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت ، وأي علقة بين الموضوعين والحالين ؟ قيل : ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان بأنه لا يكون ، لان الواحد من افناء العامة ( 1 ) لا يطمع ان يصير ملكا . ومع ذلك لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لا يكون ابدا . ولكن لا يطمع فيه لبعده ، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على القطع والثبات وإنما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع أحوالهم التي كانوا عليها . وشبههم بأسلافهم المعاندين ، وقد كانوا قادرين على أن يؤمنوا وكان ذلك منه جائزا . وهؤلاء الذين عاندوا - وهم يعلمون - كان قليلا عددهم ، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق ، وإنما يمتنع ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير ، لامر يرجع إلى اختلاف الدواعي . فأما على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم أيضا ، فيبطل بذلك قول من نسب فريقا إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا بأجمعهم كفارا . قوله تعالى : " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون " . ( 76 ) آية . هذه الآية فيها اخبار عمن رفع الله الطمع في ايمانهم من يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين أظهرهم فقال : أفتطمعون أيها المؤمنون ان يؤمنوا لكم ، وهم القوم الذين كان فريق منهم يسمعون كلام ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، وهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا : أي صدقنا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما صدقتم به وأقررنا بذلك . فأخبر الله بأنهم تخلقوا باخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم . " وإذا
--> ( 1 ) اي لا يعلم ممن هو